رسالة مفتوحة إلى من يهمه الأمر من الصحافيات والصحافيين التلفزيونيين الناطقين بالأمازيغية
يعتبر الإعلام من الركائز التي من شأنها أن تضطلع بمهمة استعمال وتوظيف وتطوير اللغة عن طريق ترويج المعلومات والمعطيات بواسطتها، ومن تم فإن له دور كبير الى جانب المدرسة في تعلم اللغة بشكل عام ، والأمازيغية بشكل خاص،ذلك كونه يتيح فرصة توظيف حقول معجمية غنية قصد تداولها في العملية التواصلية، او في إعداد التقارير الوثائقية والإخبارية، كما أنه آلية لنشر التعابير والصور اللغوية الفنية، كالوصف والمجاز والإستعارة
وهو كذلك قنطرة لنقل المصطلحات المستحدثة من القاموس إلى عامة الناس، وبالتالي تطبيعها وترسيخها في السجل اللسني عند أذهان المتعلمين لهذه اللغة حتى تسهل عملية توظيفها عند العامة، وخصوصا عند الأجيال الصاعدة باعتبارهم رهان مواصلة اللغة من الجيل الحالي إلى الجيل الآتي حفاظا لها وصيانة لها من الانقراض والاندثار بسبب الاستلاب بجميع أشكاله.
إذا كنا فعلا نخشى أن تتعرض لغتنا من إلقاء حتفها بسبب القرارات السياسوية التي تهدف غالبا إلى الإجهاز على ماتبقى منها ، فإن اول ما يجب أن ننتبه إليه هو موضعنا وتصرفتنا تجاه هذه اللغة ، فلنسأل أنفسنا كغيورين ومهتمين ومتتبعين لواقع هذه اللغة وما تعرضت لها من مكائد ومصائب الإعدامها، فهل نحن في موضع متفرج أو في موضع مقاوم من أجلها أو في موضع تواطؤ من دون قصد، وهذا الأخير هو الخطير! ، أي عندما يتحول الناطق بالأمازيغية إلى آلية في يد السياسات التي هي ضده وهو لا يشعر بذلك، والأمثلة في ذلك كثيرة ومتعددة سوف أقتصر على ما يهم الجانب اللغوي.
إن السؤال المطروح الآن هو: هل ستستمر لغتنا في السلف والإقتراض والاستيراد، ام ستقوم باستثمار رصيدها الداخلي وتطويره الى ان تحقق الاكتفاء الذاتي؟ أظن انكم فهمتم القصد.وهنا يطرح رهان التحدي بين الصحفيين المجتهدين الباحثين عن صفاء اللغة وجماليتها وبين صحفيين يقتصرون على لغة < الپاناشي> خلوطة ماهي بلغة عربية صافية ولاهي بلغة أمازيغية صافية، إني لا انزع صفة الاجتهاد عند الفريق الثاني بل أرد ذلك في اعتقادي إلى خوفهم من عدم فهم ما يقال للمتلقي البسيط الذي لا يهمه جودة اللغة . فاذا كان الفريق الثاني سيستمر علئ هذا الحال فانه يقصر في مساهمته للرقي بالناس الئ اكتشاف و تذوق جمالية لغتهم وتطويرها، بل يعزز اعتقادهم الخاطئ برداءتها والرغبة في التخلص منها. وهنا أيضا يطرح الإشكال عند الفريق الثاني، إذ كيف يوفقون بين نقل المعلومة التي الهدف، وبين الحفاظ على سلامة وصفاء اللغة ؟ فهل يجب نقل المعلومات على حساب قتل جودة اللغة ؟ ام يجب أن تكون المعلومات حاملة لمقومات اللغة؟ فهل يجب ان يغض الطرف عن رداءة اللغة والقبول بأي كان؟،ام يجب التدقيق والتنقيح قبل النطق بأي تعليق، هل كل ما يتم إقحامه في اللغة من كلمات و تعابير يضر بجودتها أو يزيد في جماليتها؟
وهنا أود أن أشير إلى أن جميع اللغات تتطور باستحداث المفردات بناءا على معطيات من رصيدها الداخلي فمثلا كلمة ” خوصصة” هي كلمة عربية لم تكن موجودة فيما قبل، لكن تم اشتقاقها من ” خاص” ومنه أيضا “خاصية” و “خصوصية” ونفس الشي داخل اللغة الفرنسية حيث يتم استحداث مفردات لمفاهيم جديدة لم تكن فيما قبل، انطلاقا من معطى وارد أصلا ك : حكامةgouvernance من gouvernement/ : حكومة ، ومنها أيضا gouvernanat/ gouverneur/ إلى غير ذلك ، وأعتقد أن للأمازيغية قابلية التطوير بشكل سريع بواسطة الإشتقاق والإستحداث، ذلك لكونها لغة مرنة تتوفر على الأدوات النحوية ما يجعل مفرداتها تتوسع لخلق مفردات جديدة لمفاهيم حديثة وعصرية، وقد لاحظت شخصيا ان مفردات حديثة في الأمازيغية لم تكن معروفة فيما قبل لقت ترويجا ملفت للأنتباه عند عامة الناس بفضل الإعلام ك ” أنامور= الوطني التي تم اشتقاقها من ” تمورت”= الأرض او البلاد او الوطن عوض ” أوطني” الدخيل على اللغة الأمازيغية.وهذا التصحيح شئ ايجابي يحتسب للصحافة خاصة والإعلام عموما، وبما أن، التأثير الإعلامي شئ وارد ، فأرئ في اعتقادي انه يجب أن يكون دائما إيجابيا في اللغة على الأقل،و ان يحرص الإعلام على غرس جمالية اللغة في ذهنية ونفسية المتتبعين، وأن أي عبارة تلقى على مسامع المتتبعين يجب أن تكون تراعى فيها الجودة ، وفي هذا الصدد أدعو كل من له غيرة على تطوير هذه اللغة ان يعيد مراجعة العبارات الخاطئة التي نغرسها في هذا الجيل قبل فوات الأوان ونصبح من أولئك الذين يقبلون بالخطأ الشائع ويعرضون على الصواب المانع بحجة المثل العربي القائل : ” خطأ شائع خير من صواب مانع”،ومن هنا يجب معرفة ماهية المفردات والكلمات التي يجب على الإعلامي إدراجها، وماهية تلك التي يجب التخلي عنها تدريجيا بحكم أنها مستوردة، ولا أعني هنا تلك المفردات المشتركة العلمية والعالمية والتكنولوجية ك: اكاديميك – الكترونيك – ميكانيك – ديمقراطي ……..بل أعني تلك التي يجب أن تكون متوفرة طبيعيا بحكم وظيفتها الوجدانية أو تلك التي يتم استحداثها من ذلك المعطى الوارد كما أشرت سابقا. وهو شئ يمكن استثماره وإدراجه تدريجيا. ولكي أوضح أكثرلابد أن نذكر بالسبب الذى جعل هذه اللغة في حاجة الى السلف من رصيد خارجي، والحال أن اللغة الأمازيغية تعرضت إلى نوع من الحت والتعرية كما يقع للتربة الفلاحية ، فأصيبت بنوع من الفقر والنكوص ، بسبب سياسة التهميش والتعريب والاستلاب الفكري والهوياتي فبدأت تفقد أدواتها التواصلية جيلا بعد جيل، فجرفت سيول تسونامي التعريب السريع بكثير من المفردات إلى الانقراض والعدم فحلت محلها مفردات عربية في قالب أمازيغي تارة وفي قالب عربي صرف تارة أخرى، الئ أن اعتقد الكثير منا انها من صلب لغتنا، فمثلا دون ان نكترت نستعمل عندما نطلب السماح أو العفو : ” سامح يي” في حين أن الأصل هو ” سورف إيي” ولحسن الحظ كانت هذه المفردة على وشك الأنقرض لو لا الإحتفاظ بها في قرى صغيرة في الجنوب المغربي، ومن هنا أيضا نطرح السِؤال حول مالذي يجب أن نغرس وأن نحتفظ به كفردات أمازيغية، هل الأصل أو الدخيل ، فإذا كنا نرى أن من الصواب ان نحتفظ على نسيج لغوي منسجم ومتجانس من نفس الأصل فلابد أن نخضع العديد من المفردات إلى القياس لمعرفة مدى انسجامها وأصالتها ووظيفتها داخل الجملة، وهذا تخصص اللسانيين من طبيعة الحال،وأنا أطرح هذا الإشكال من باب النقاش فقط ، وسأختار لكم عبارة لا أطيق سماعها شخصيا وأترك لكم الحكم فيما إذا كنتم ترضون للغتنا أن تكون في هذا المستوى أم لا: لنأخذ عبارة: ” صيفت إعومان” فكلمة “الصيفت” من الكلمة العربية “الصفة” و ” إعومان ” من ” العامة أو العام” ففي اعتقادي هذه ليست بترجمة ولا باستحداثnéologisme ، فهو اقتراض emprunt في غير محله، ولا حاجة للغة الأمازيغية بها، فهو تشويه للأصل المأخوذ منه” العربية” ، وتلويث للغة التي نريد الترجمة إليها” الأمازيغية”، مع العلم ان لاقتراض يكون في الضرورة القصوى أي بعد تعدر الإستحداث والاشتقاق. ولا اعرف السبب الذي دفع بعض الصحفيين أن لا يستعملوا العبارة الأمازيغية التي لها نفس المعنى ك :” س وناو يومان” اناو= [الصفة أو النوع ]حسب السياق و ” يومان ” اسم صفة لفعل ” يوما” التي تعني يضم او يشمل، ونقول “أساراك يومان ميدن ” بمعنى ساحة تضم الناس او يشملها الناس” و[يومان] هو نعت أو صفة تعني الشامل أو العام ويقال أيضا “أماتو”.[ بصفة عامة= س وناو أماتو = س وناو يومان].
إن غرس الكلمات الدخيلة بإفراط للغة الأمازيغية له عدة سلبيات أهمها:
- تزكية الطرح المعادي لهذة اللغة القائل بضعفها وفقرها.
- تزكية الطرح القائل بأن الأمازيغية فرع للعربية وليست أصل قائم بذاته وهنا يستدلون بالكلمات الكثيرة الدخيلة وأسطورة اليمن.
- جعل الأمازيغية لغة وثقافة تابعة لثافة أخرى .
- تشويه وإماتة للفصاحة الأمازيغية تدريجيا والارتماء في أحضان الثقافة المهيمنة وبالتالي إعادة سيناريو الاستلاب بدس سموم الديماغوجية والإيديولوجية على حساب الأمازيغية
- خلق جيل يبحث عن هوية بديلة بسبب الإفراط في الاستيراد .
ولتجنب هذا الإشكال أقترح:
- الاستعانة بالقواميس ومستجدات الابحات اللسنية، وإدماج جميع المرادفات والتنويعات الأمازيغية الموجودة في المغرب : الريف- زيان – سوس – الصحراء بالإضافة إلى المرادفات الأخرى الموجودة في بقاع تمازغا عموما.
- تبادل التجارب بين الصحفيات والصحفيين والاخذ بالراي الصائب في اقترحاتهم .
مع أطيب التحيات .
تنميرت أطاس .
الحسن دسجي
أستاذ التربية التشكيلية و مهتم بالثقافة الأمازيغية.
0 التعليقات:
Enregistrer un commentaire