أمازيغ بريس

الرئيسية » » باحث ليبي: دعونا نحفر وننقب عن آثارنا بدل الأثريين الأجانب

باحث ليبي: دعونا نحفر وننقب عن آثارنا بدل الأثريين الأجانب

بواسطة afra يوم vendredi 20 mai 2011 | 04:26

الناجي منصور الحربي يرى أن كل صراعات الماضي على تراب ليبيا هي رسائل ذات دلالة لأبناء هذا الوطن.





في فترة سابقة قصيرة صدر عن مجلس الثقافة العام في ليبيا كتاب تاريخي يتناول الصراع بين القرطاجيين والإغريق "الصراع القرطاجي الإغريقي" للأستاذ مفتاح محمد سعد البركي، تحدث فيه عن أسباب الصراع العسكري بينهما وما قدموه من حضارة في منطقة حوض البحر الأبيض المتوسط طارحا رؤية جديدة لهذا الصراع نلخصها في فقرة من مقدمة ذلك الكتاب القيم: "هو محاولة لطرح رؤية جديدة تتمثل في دراسة العوامل التي ساعدت على نشوء تلك الحضارة، خاصة الدور الذي لعبه الصراع العسكري في قيام حضارة مدنية بلغت من الازدهار والتقدم ما فاق غيرها في كثير من المجالات".
وفي أواخر عام 2010 أصدر المجلس كتابا جديدا عن حضارة قرطاجة وهذه المرة لم يتناول الصراع بين قرطاجة وأثينا أو روما لكن ركز بؤرته على جزئية مهمة جدا وهي مدى مساهمة الإنسان الليبي سواء كان مزارعا أو بحارا أو جنديا في إثراء هذه الحضارة التي دشنت أول غزو بواسطة الأفيال من القارة السوداء إلى القارة العجوز أوروبا. وجاء الكتاب تحت عنوان "الليبيون في جيش قرطاجة" للمؤلف الناجي منصور الحربي المبدع في مجال الأدب وأيضا التاريخ الذي تخصص فيه أكاديميا خاصة في مجال الإغريقيات حيث كانت دراسته في فترة سابقة في بلاد اليونان ليواصل إكمال تكوينه الأكاديمي التاريخي في الجامعات الليبية كجامعة عمر المختار التي أعد بين أروقتها وتحت إشراف أساتذتها الكبار كالأستاذ الدكتور فؤاد حمدي بن طاهر وغيره من الأجلاء رسالته الجامعية في الدراسات العليا.




ومن حظ هذا الكتاب أنه جاء عبر كاتب يعرف جيدا كيف يوظف مادته التاريخية بصورة أدبية مليئة بالإيحاءات والمجاز وتفجير الأسئلة التي بالضرورة تكون صالحة لإسقاطها على الوضع الراهن المحلي والعربي والدولي وما يشهده من ثورات وتكالب وصراعات ودسائس الهدف منها السيطرة على عرق الإنسان وثروته وحتى أحلامه وآماله.
وسنجد من خلال قراءة الكتاب رؤية الكاتب ورأيه في الإغريق والقرطاجيين والرومان معتبرهم مستعمرين استغلوا فترة من فترات التاريخ الإنسان الليبي وكبدوه خسائر فادحة في المال والروح من خلال تسخيره في الجندية أو في فلاحة الأرض أو في استخلاص الضرائب والمكوس منه لتدعيم غزواتهم ومعاركهم فيما وراء البحار، وعلى الرغم من كره الجميع للاستعمار بكل أنواعه لكن سيستشف القارئ أن القرطاجيين هم الأقرب لليبيين، وهم من امتزجوا بالقبائل الليبية حتى صاروا شعبا واحدا خاصة بعد دمار قرطاجنة من قبل الجيش الروماني، ولا يزال الإنسان الليبي يفخر بالبطل حنابعل أو هانيبال الذي غزا الرومان بأفياله في عقر دارهم وكاد أن يدخل روما منتصرا لولا بعض الظروف الحربية التي خانته.
الكتاب ينقسم إلى خمسة فصول هي: الليبيون ومجيء الفينيقين إلى ليبيا – الليبيون وتجربة الجيوش المرتزقة – فصائل الجند الليبيين في مرتزقة قرطاجة – أسلحة الجند الليبيين في قرطاجة – ثورات الجند الليبيين في جيش قرطاجة. وكل فصل مقسم إلى أجزاء تشرح الموضوع متسلحة بمصادر تاريخية ميدانية ومكتوبة.
والكتاب عندما نقرأه بقراءتنا الأخرى، القراءة السيميائية أو الدلالية أو قراءة استخلاص العبر من تاريخنا القديم سنشعر بأنه ليس مادة جامدة على الطالب أن يحفظها لكي ينجح في الامتحان إنما ستشعر أن هذا الكتاب يخاطبك وسترى أن الإغريق والرومان هم أميركا وحلفاؤها الآن، وسترى المعارك التي تم خوضها في الماضي تخاض في هذا الزمن أيضا، ويمكنك أن تستشف الأطماع الاستعمارية القديمة في الأرض الليبية من خلال حادثة الأخوين فيلاني، والتي أوردها المؤلف في صفحات كتابه الأولى كهامش قصير، لكن القراءة المتأملة للكتاب سرعان ما تحول هذا الهامش إلى متن مهم، حيث يتصارع الفينيقيون والإغريق على اقتسام الكعكة الليبية بعد أن سئما الحرب بينهما فيتفقان على انطلاق عدائين في نفس الوقت من قورينا عاصمة الإغريق القديمة ومن قرطاجة بتونس الآن.
العداءان الإغريقيان ينطلقان غربا والفنيقيان القرطاجيان ينطلقان شرقا وعند نقطة اللقاء يكون الحد الفاصل بين الطرفين أي الحدود، أي تقسيم ليبيا إلى شرق وغرب، ولعلنا مازلنا نذكر القوس الرابض قرب خليج سرت والذي يمنحنا عبر رمزيته التاريخية والمعمارية رؤية خبيثة الغرض منها تقسيم بلادنا وتفتيتها إلى جزئين وربما إلى أجزاء، لكن الحمد لله تم هدمه نهائيا.




الكاتب الناجي منصور الحربي

وقصة الأخوين فيلاني قصة شهيرة فعندما وصلا إلى نقطة اللقاء مندوبا قورينا اتهما الأخوين فيلاني بالغش لأن المسافة التي طوتها قرطاجنة عبر جري عدائيها أطول من مسافة عدائي الإغريق المنطلقين من قورينا، ويرجح أكثر من رأي أن تأخر الإغريقيين في الجري كان بسبب الصخور والأحراش والسباخ المنتشرة في الجبل الأخضر وسهل برنيق، وكان الرأي الفلسفي من عدائي الإغريق حيث طلبا من عدائي قورينا إما أن يدفنا في نفس هذا المكان أم يتركانهما يجريان في اتجاه الغرب وعندما يتوقفان يتم دفنهما، وبالطبع لم يوافق القرطاجيون على مقترح الإغريق باستبدال الحياة بالأرض ووافقا على أن يتم دفنهما في المكان، وعلى الرغم من هذه التضحيات المحببة عسكريا وعقائديا إلا أن الخاسر الأكبر هو الإنسان الليبي الذي وجد نفسه، كما في الحرب العالمية الثانية، ساحة صراع هو وقودها لكن غير كاسب لثمرة نصرها أبدا.
بعد قراءتي لهذا الكتاب القيم ارتأيت أن يستفيد القارئ أكثر وذلك من خلال إشراك مؤلف الكتاب ليوضح لنا بعض الزوايا التي رأيت أن أثيرها معه فكان لي معه هذا الحوار:
• أستاذ ناجي، وبصراحة تامة ماذا تمثل لك قصة الأخوين فيلاني في سباقهما مع المتسابقين الإغريقيين لكسب الأرض التي هي في الأساس ليست أرضهم؟ وكيف يمكننا الاستفادة من هذه الحادثة وطنيا خاصة في ظل الظروف الراهنة التي يشهدها العالم والوطن العربي بالذات؟
- كما كان الفينيقيون موفقين إلى حد كبير في اختيارهم لمواقع المدن الثلاث في ليبيا لوجود الموانئ الصالحة لرسو السفن وتوفر الطرق التي تربطها بجنوب الإقليم، فإن الإغريق كانوا بصدد تنفيذ مخطط يدخل ضمن الاتجاه العام للاستعمار الإغريقي في القرنين السابع والسادس قبل الميلاد، حيث كان هدفهم الاحتفاظ بالأراضي والاستيلاء على أخرى لمن يأتون بعدهم، وكان لا بد من تصادم مصالح الإغريق والفينيقيين، ولهذا لجأوا إلى تحكيم استثنوا منه السكان الأصليين، من أجل مصلحتهما، حتى وان اعتبر بعض المؤرخين أن الفينيقيين أبناء عمومة خرجوا من الجزيرة العربية لظروف الجفاف أو الزلازل أو غيرها.
ما يمكن الاستفادة من طريقة التحكيم العجيبة بين الإغريق والفينيقيين هو أن الفراغ السياسي والحضاري لتلك الفترة في الأراضي العربية يجعل قوى الاستعمار تقتسم ممتلكاته في منأى عن السكان الأصليين.
اعتقد أن ما يشهده الوطن العربي في الوقت الراهن هو امتداد لمخطط يهدف إلى تمزيق اللحمة العربية وتفتيت أراضيه والسيطرة على مقدراته المتمثلة في النفط والأراضي الزراعية الشاسعة ومخزون المياه.
• أنت لست كاتبا في مجال التاريخ، بل عرفناك كاتبا في مجال الأدب والصحافة الساخرة، فهل هذا الكتاب عبارة عن رسالة جامعية أو بحث من أجل التحصل على شهادة، أم جاء كعمل إبداعي منفصل اتخذ التاريخ الليبي واجهة خلفية له؟
- بدايتي كانت في مجال البحث التاريخي، ولدي أبحاث تاريخية كثيرة في مجلة البحوث التاريخية والفصول والثقافة العربية، ومنذ أن كنت طالبا بالدراسات العليا بجامعة قاريونس وبتشجيع أساتذتي ( الدكتور فوزي فهيم جادالله) و(الدكتور رجب الأثرم). وهذا الكتاب عبارة عن رسالة ماجستير في التاريخ القديم كانت بإشراف الدكتور فؤاد بن طاهر. وبالرغم من أن الغرض منها كان الحصول على شهادة علمية إلا أنني شعرت بمتعة عجيبة في البحث وأحسست أنني أضفت جديدا في تاريخ ليبيا القديم.




الأمازونات

* تاريخ ليبيا القديم مصادره مشتتة ومعظمه - خاصة في مجال الآثار غير مكتشف حتى الآن – لا يزال مدفونا تحت الأرض كالآثار النائمة تحت غابة ومدينة شحات السكنية. وباعتبارك مقيما ومولودا في مسّة بالجبل الأخضر، وهي منطقة ثرية بالآثار الإغريقية والرومانية وحتى الإسلامية، وشهدت ملاحم خالدة في الدفاع عن أرض هذا الوطن، كيف ترى السبيل الناجح الذي يمكنا من معرفة تاريخنا أكثر والاعتزاز به والاستفادة من عبراته ومن مادته الإنسانية القيمة التي شهد لها أكبر المؤرخين في العالم كهيرودوت وغيره ؟
– لا سبيل لمعرفة تاريخنا إلا بالبحث والدراسة والتنقيب المستمر وجلب الأدوات الحديثة للحفريات وتفعيل الجانب السياحي بالطرق العلمية والتركيز على البعثات العلمية لطلاب الآثار والتاريخ القديم وتشجيع دراسة اللغات القديمة والحديثة، والمطالبة باسترجاع المسروقات من التماثيل واللقى الأثرية والتوسع في إنشاء المتاحف على نطاق واسع، وحماية الأماكن الأثرية.
• في كتابك تناولت الأمازونات، وهن المحاربات منزوعات الأثداء، وملكتهن المحاربة مورينا وشككت أن الأسطورة والخيال حاضرتان في هذا الموضوع، لكن باعتبارك عشت فترة طويلة رأيت فيها المرأة الليبية ومشاركتها في الأعمال القتالية وغيرها من الأعمال العنيفة التي في العادة يختص بها الرجال كذلك عاش أجدادك ووالدك أطوارا من حياتهم عايشوا فيها المرأة الليبية تمارس الجهاد والحرب إلى جنب الرجل عبر شخصية "النفاقة" التي تصاحب المجاهدين وتداوي الجرحى وغيرها كما حدث في الجهاد مع أدوار شيخ الشهداء عمر المختار. من هنا هل الأمازونات شخصيات واقعية أم خيالية وهل ما تشهده المرأة في هذا الوقت امتداد تاريخي طبيعي لهن؟
- تظل حكاية الامازونات خيالية إلى أن نعثر على ما يثبت أنها حقيقية، وقد وردت قصة حربهن في سياق ما يشبه القصص الخيالية، التي تبتعد كثيرا عن روح الأسطورة الملحمية، ولا يخفى فإن الأساطير تضرب أطنابها في الفكر الحضاري عند مختلف الشعوب، لكنها تمثل تراثا حكائيا لذاكرة المجتمع يجوز فيها الزيادة المفرطة لدرجة يصعب تصديقها، ويباح فيها الإضافات لتزيين الأحداث ومنحها نكهة الحكاية الشعبية. وهذا لا يعني أن المرأة على مر العصور لا دور لها فهي الأم والمربية والمناضلة وهي التي تدفع الرجل إلى الدفاع عن الأرض والعرض، وليس غريبا مواقف المرأة في جهادها ضد الاستعمار الإيطالي، وما يميز هذه الفترة أن الشواهد التاريخية تقف شامخة لتعزيز دور المرأة في حركة الجهاد.
• الكتاب اعتمد على مصادر كتابية كثيرة لكن مصادر المعاينات والحفريات التي من المفترض أن تقوم بها قليلة جدا، ما السبب .. هل مسألة إمكانيات أم احتراما واستفادة من الجهود المبذولة سابقا في هذا المجال وثقة بجدواها؟
- ما جعل مصادر الدراسة تعتمد على الكتابية دون الحفريات هو أن الحفريات التي أجريت في ليبيا قليلة، يضاف إلى ذلك أن من قام بها غير ليبيين، ونحن ندرك جيدا أنه لو أتيحت الفرصة لليبيين فإن القيمة الوطنية تكون متوافرة في صدق البحث، كما أن الجهات المعنية بالحفريات لا تشجع على البحث والتنقيب لقلة الإمكانات ونضوب الدعم المادي. ولهذا جاءت الدراسة معتمدة على المصادر القديمة والدراسات السابقة.
* كثير من الأدباء يتناولون جوانب من التاريخ الليبي القديم كرضوان بوشويشة ومنصور بوشناف، ومن قبلهما صادق النيهوم، والآن إبراهيم الكوني، بعد ترك أساطير الطوارئ ودخوله لتاريخ ليبيا الحديث عبر تناوله للقره مانليين في روايته نداء ما كان بعيدا ولا تجد تقريبا شاعرا أو كاتبا إلا مسَّ هذا التاريخ بشكل أو بآخر، فبمَ تنصح هؤلاء باعتبارك متخصصا في التاريخ وأيضا أديبا، هل بدراسة هذا التاريخ أولا أم ترك الخيال يمارس سطوته وجنونه أم بالمزج بين الاثنين؟
- ليست لدي أية نصيحة سوى تحري الصدق واتباع المنهج التاريخي في مثل هذه الدراسات، والقراءة المتأنية للدراسات السابقة، واختيار المرجع الموثوق منه بتفحصه والتدقيق في المعلومات الواردة به.
* ما مشاريعك القادمة في مجال الكتابة التاريخية، وهل ستسرقك من الأدب خاصة فن المقالة الصحفية والفنية الساخرة والذي تألقت فيهما كثيرا خاصة عبر كتابك الجميل "حبل الغسيل" ومقالاتك الأخرى المتناولة للشأن العام في الصحف وعلى الشبكة العنكبوتية؟
- أنا باحث تاريخي وسأظل ومشاريعي في هذا المجال لن تتوقف، وآخر دراسة استكملتها منذ أسبوع بعنوان "رؤية الصادق النيهوم للعلاقات الليبية المصرية القديمة" وهي دراسة تاريخية أدبية لمجموعة تاريخنا التي كتبها الصادق النيهوم. وهذا يسير جنباً إلى جنب مع الكتابة الثقافية التي اعتبرها ترفاً ثقافياً لا غنى عنه.
* قرأت لك مقالة تتحدث فيها عن زيارتك صحبة والدك الراحل إلى بنغازي لشراء آلة كمنجا، لماذا لم نرك موسيقيا، وماذا تعني لك أوتار الكمان، وهل صحيح الآلة المستعملة أفضل من الجديدة، أنا لدي حذاء كرة القدم المستعمل قليلا أفضل من الجديد الذي يقدم لك يوم المباراة دون أن تكون قد تدربت به وتعودت عليه وقتا كافيا؟
- كان ذلك في زمن غابر منتصف الستينيات، لم تكن هناك مدارس لتعليم الموسيقى، وكانت الموسيقى ضمن محرمات المجتمع الذي كان ينظر للفنان على أنه خارج عن القيم الاجتماعية. كانت رغبة طفل في المرحلة الابتدائية لم تجد من يصقلها ويهتم بها. أما صحة ما يقال عن الآلة القديمة أفضل بكثير من الآلة الجديدة من حيث الإحساس وسلامة النغمة، فبالإمكان أن توجه هذا السؤال للمختصين في الموسيقى وهم كثر اليوم والحمد لله.

ساهم في نشر الموضوع :

0 التعليقات:

Enregistrer un commentaire

 
دعم : إنشاء المواقع | قوالب جوني | قوالب ماس | قوالب بلوجر عربية ومجانية
© 2011. amazigh press أمازيغ بريس - جميع الحقوق محفوظة
عدله إنشاء المواقع - تعريب قوالب بلوجر عربية ومجانية
بدعم من بلوجر