اللغة الأم مفتاح المستقبل الأنساني
إن المعلومات في عصر التقنية المذهلة وفي مجتمع المعرفة هي أداة ووسيلة أساسية لصنع القرار التي تُمكن الناس من المشاركة الإجتماعية والإقتصادية والسياسية والتطور الأنساني. ومن ثم امتلاك القدرة على الوصول للمعارف والمعلومات المتلقاة من التنمية البشرية وكيفية الأنتفاع منها والتأثير فيها، التي بدورها ستؤثر بشكل متزايد في قدرة الفرد على المشاركة في المجتمع وامتلاك إرادة لتحديد نوعية الحياة التي يرغب الفرد والمجتمع عيشها. وإن اللغة هي الوسيلة الأولى التي تؤدي دوراً حاسماً وأساسياً في هذه العملية.
لهذا فاللغات ليست فقط مجرد أدوات تواصل، بل هي أيضاً وسائل لنقل منظومات القيم والأخلاق والتراث وأشكال التعبير الثقافي والجمالي الفني، كما أنها عامل أساسي في تشكيل هوية الشعوب والأمم وأفرادها. وإن التنوع اللغوي الذي من نتاجه التنوع الثقافي، هو عنصراً أساسياً في التراث الحي للبشرية والثقافة الأنسانية يستوجب رعايتها. نظراً لهذا الدور الحياتي التي تلعبه اللغات في تحديد مصير الشعوب ومستقبلها، فقد قررت منظمة الأمم المتحدة للتربية والتعليم والثقافة (اليونيسكو) بأن يكون يوم" 21 شباط"* من كل عام يوماً عالمياً للغة الأم. هذا القرار الذي اتخذته اليونيسكو بتارخ 17-11-1999- والبدء بالعمل به منذ عام 2000 والهدف من هذا القرار هو المحافظة على حقوق الأقليات والقوميات وحق الشعوب بالتعليم باللغة الأم، وبالتالي تعزيز التعدد اللغوي و التنوع الثقافي الأنساني.
إن الحضارات القديمة قد أثّرت وتأثّرت فيما بينها وأصبحت ميراثاً انسانياً، فإن اللغات التي تستخدمها البشرية هي أيضاً أثّرت وتأثّرت فيما بينها. لذلك فإن اللغات تترابط فيما بينها بأصولٍ مشتركة مع حفاظ كل لغة على مصدرها الخاص للمفردات والمعاني تعبّر فيها عن الواقع والتراث ومستوى الوعي والفكري والإيماني لكل شعب، وهذا التنوع يصبح ثروة ثقافية أنسانية. لأن اللغات تحافظ وتطور الميراث المادي والمعنوي للشعوب، فإن تعايش وإنسجام اللغات يؤدي إلى التقارب الثقافي والتعايش السلمي وتحقيق التضامن المبني على أساس الإحترام والحوار والتفاهم والتسامح فيما بين الشعوب والأفراد.
إن الدول التي تضع قوانين عنصرية والحكومات التي تتبع سياسات تمييزية تهدف إلى صهر اللغات الأخرى داخل المجتمع، تحقن المجتمع بفيروس التفرقة الذي يؤدي إلى إضعاف شعور الإنتماء ونشوء خلل اجتماعي فاسد تصعب لا وبل حتى يتعذر مكافحته. لأن سياسة الصهر القومي واللغوي، يؤدي إلى ضياع الذاكرة والأنماط التفكيرية التي تعتبر موارد ثمينة للمستقبل الأنساني.
بمناسبة اليوم العالمي للغة الأم، يجب على كافة الأنظمة الشمولية والدول التي تتبع سياسة الصهر،أن تعيد كتابة دساتيرها وتضع قوانين وسياسات لغوية تضمن التعلم للشعوب والجماعات الأثنية بلغتهم الأم وايجاد آليات التواصل بين الثقافات وإقامة ثقافة سياسية ديمقراطية.
نظراً لِما تلعبه اللغة الأم من دور أساسي على الهوية والتواصل والإندماج الاجتماعي والتطور الثقافي والتنمية في مستقبل الشعوب، فهي ذات أهمية استرتيجية على مستقبل سكان الكوكب والكوكب ذاته. بحيث يتم تسخير كل الروئ المتنوعة والمعارف وأشكال الثقافات عن طريق تعزيز التعلم باللغات الأم والتي تعتبر وسيلة أساسية للتفاعل الإجتماعي و المفتاح المصيري للمستقبل الأنساني.
*(في 21 شباط من عام 1952 فتحت الشرطة النار في مدينة داكا-عاصمة بنغلاديش الحالية-على تلاميذ خرجوا متظاهرين للمطالبة بالتعلم بلغتهم البنغالية كواحدة من لغتي البلاد الرسمية لما كان يعرف آنذاك بباكستان).
لقمان محمد - السويد

0 التعليقات:
Enregistrer un commentaire